مفهوم “الوطن أولاً” في فكر وتوجيهات رئيس الوزراء
إبراهيم حامد المبيضين
على مدى ثلاثة أسابيع، وفي كافة مجالس رئيس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، حرص سموه على التوقف طويلاً عند قضية الوحدة الوطنية ومعطياتها ومستلزماتها، والحديث عن نبذ العنف والتعصب والتوافق على ما يجمع أبناء الشعب لا ما يفرقهم باعتبار البحرين كانت وستبقى أسرة واحدة متكافلة متضامنة تلتف حول قيادة واحدة ونرجع إلى دستور واحد وتشترك بمصير واحد، من غير تفيؤ أو تقسيم أو تصنيف.
ومن مجموع أحاديث صاحب السمو الملكي رئيس الوزراء، نفهم أن رجل الدولة المملوء خبرة وتجربة وحكمة، والذي كان ولا يزال الحارس الأبعد نظراً والأعمق رؤية لمعطيات ومسوغات الوحدة الوطنية، لا يرى أن ثمة في المشهد البحريني ما يهدد الوحدة الوطنية، بغض النظر عن جنوح البعض، عن أعراف هذا المفهوم الجوهري، في مقارباتهم السياسية أو الطائفية. لأن مقومات ومعطيات الوحدة الوطنية في البحرين، – حسب ما يؤكد سموه على الدوام – ليست مقومات مكتسبة، بل أصيلة، بحيث لا تخضع للمقاربات الايدولوجية، أو المشاكسات الطائفية.
ومبعث ثقة صاحب السمو الملكي رئيس الوزراء، بتماسك الوحدة الوطنية في البحرين، ينطلق كما أكد سموه، من حقيقة أن البحرين لا تزال وكما كانت دائماً، مالكة تماماً لكافة معطيات الوحدة الوطنية، سياسياً واجتماعياً وثقافياً وتاريخياً، وأن هذه المعطيات ومنذ عهد المغفور له الشيخ عيسى بن علي بن خليفة آل خليفة، تكرست على نحو تصاعدي محافظ دائماً على تعدد الخصوصيات الثقافية في المجتمع بما يؤهلها لتكون أحد المكونات المعترف بها في سياق الخصوصيات الثقافية في المجتمع بما يؤهلها لتكون أحد المكونات المعترف بها في سياق المشهد الوطني، وفي مفهوم الهوية الوطنية الواحدة والجامعة.
والواقع أن ثقة صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، بهذه المعطيات، تجد جملة من الروافع التي تؤكدها، عبر مسيرة التاريخ البحريني الحديث، وحيث في كل منعطف سياسي أو تاريخي كانت الدولة تعيد تأهيل الهوية الوطنية بما يكفل تجديد روح الاستمرار للوحدة الوطنية ويضفي عليها الديمومة، وكانت مؤسسة القيادة هي المكان الأول لإعادة الروح للهوية الوطنية بوصفها المؤسسة الأغلى والأقرب إلى وجدان البحريني، بل والمساهم الأساس في صياغة هذا الوجدان، وقد حدث ذلك في منعطفات كثيرة.
وهنا يأتي الشاهد الأكثر حداثة على جوهر أحاديث صاحب السمو الملكي رئيس الوزراء، عن دور القيادة في ترسيخ مفاهيم وأعراف الوحدة الوطنية، من خلال توجيهات سموه، بشأن ضرورة انخراط الجميع في المحافظة على قيم الوحدة الوطنية من خلال المحافظة على قيم المجتمع البحريني الواحد، الذي كان على الدوام مجتمعاً تعددياً بامتياز في مجال الثقافة والفكر والفتوى والمدارس الاقتصادية، ولكنه كان موحداً دائماً في مجال الهوية والثوابت الوطنية.
وفي الوقت الذي يؤكد فيه صاحب السمو الملكي رئيس الوزراء ضرورة نبذ التعصب، ورفض العنف، والنأي بالوطن عن التصنيفات الطائفية ودواعي الفرقة، فإنه يوجه إلى ذلك من خلال مقاربة حكيمة تجعل كل مواطن مسؤول عن حراسة هذه الوحدة وثمارها ومشهدياتها، وكل مسؤول مطالب من موقعه في إعلاء ورافع وحدة الوطن، واستدامة آثارها على ثبات واستقرار المجامع أولاً، ثم على قدرة هذا المجتمع في تجاوز التحديات أيا كانت.
وما يذهب إليه صاحب السمو الملكي رئيس الوزراء في مجمل أحاديثه، هو أن البحرين والحمد لله، ركينة في وحدتها الوطنية بقدر ركانة معطيات هذه الوحدة التي تملك منها الكثير. غير أن ثمة فرقاً بين المعطيات والمستلزمات. فالمعطيات أصيلة وثابتة وتجري من كل مواطن بحريني مجرى الدم، أما المستلزمات، فهي الروافع المكتسبة التي يمكن أن يكون للصحافة دور فيها، وللمجالس التشريعية دور آخر، وللمنابر في المساجد، دور ثالث، وللمسؤولين كل من حيث اختصاصه دور رابع، بل ولكل مواطن مخلص وحريص على أمن بلده وهويتها دور ومسؤولية.
وفي تفصيل هذه الأدوار والمستلزمات، تحدث سموه عن المسؤولية الوطنية كعامل بناء للدولة القوية والقادرة على امتلاك قرارها، والمسؤولية الاجتماعية كعامل تقارب بين الأشقاء في الأسرة الواحدة، والمسؤولية التنويرية للصحافة ورجال الدين كعامل وعي وطني جامع وغير مفرق، وكعامل رؤية حقيقية لمستقبل واحد ومصير واحد.
ومن أحاديث سموه، نقرأ أن الإعلام والصحافة هما المرآة التي تعكس القوى المكونة للهوية الوطنية، والعوامل المؤكدة على متانتها وقوتها وثباتها، ويجب أن يكون كذلك، وإلا فإنه يخلي مكانه لقوى الفرقة، وعوامل التجزئة والتقسيم الطائفي والتصنيف الفئوي.
ومن أحاديث سموه، نفهم أن المنابر الدينية وخطب رجال الدين والعلماء، هي عامل حاسم في تشكل اتجاهات المجتمع وبث لواعج التكافل والتماثل في فكر الأمة وثقافتها الدينية. ويجب أن تكون كذلك، وإلا فإنها تخرج عن صراط الحصافة والاستنارة إلى منعطفات التعصب وإشغال الدين بالسياسة والسياسة بالدين.
والحال، أنه لم يعد ثمة مبرر لبقاء جدار بين مفهومين للوحدة الوطنية: مفهوم رسمي ينطلق من مبدأ أولاً، ومفهوم مضيق مناطقي أو فئوي ينطلق من مبدأ الطائفة أولاً، أو الفئة أولاً، أو المصالح الاقتصادية والاجتماعية أولاً. فكل هذه الغايات يمكن إدراكها بذات القدر ومن غير إخلال بكافة حقوقها وواجباتها حين يكون الوطن أولاً.











روابط اجتماعية